القرطبي

143

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

في الجب إنذار له . ( وهم لا يشعرون ) أنك يوسف ، وذلك أن الله تعالى أمره لما أفضى إليه الأمر بمصر ألا يخبر أباه وأخوته بمكانه . وقيل : بوحي الله تعالى بالنبوة ، قاله ابن عباس ومجاهد . وقيل : " الهاء " ليعقوب ، أوحى الله تعالى إليه ما فعلوه بيوسف ، وأنه سيعرفهم بأمره ، وهم لا يشعرون بما أوحى الله إليه ، والله أعلم . ومما ذكر من قصته إذ ألقي في الجب - ما ذكره السدي وغيره - أن إخوته لما جعلوا يدلونه في البئر ، تعلق بشفير البئر ، فربطوا يديه ونزعوا قميصه ، فقال : يا إخوتاه ! ردوا علي قميصي أتوارى به في هذا الجب ، فان مت كان كفني ، وإن عشت أواري ( 1 ) به عورتي ، فقالوا : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا فلتؤنسك وتكسك ، فقال : إني لم أر شيئا ، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يسقط فيموت ، فكان في البئر ماء فسقط فيه ، ثم آوى إلى صخرة فقام عليها . وقيل : إن شمعون هو الذي قطع الحبل إرادة أن يتفتت على الصخرة ، وكان جبريل تحت ساق العرش ، فأوحى الله إليه أن أدرك عبدي ، قال جبريل : فأسرعت وهبطت حتى عارضته بين الرمي والوقوع فأقعدته على الصخرة سالما . وكان ذلك الجب مأوى الهوام ، فقام على الصخرة وجعل يبكي ، فنادوه ، فظن أنها رحمة عليه أدركتهم ، فأجابهم ، فأرادوا أن يرضخوه بالصخرة فمنعهم يهوذا ، وكان يهوذا يأتيه بالطعام ، فلما وقع عريانا نزل جبريل إليه ، وكان إبراهيم حين ألقي في النار عريانا أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه ، فكان ذلك عند إبراهيم ، ثم ورثه إسحاق ، ثم ورثه يعقوب ، فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذة وجعله في عنقه ، فكان لا يفارقه ، فلما ألقي في الجب عريانا أخرج جبريل دلك القميص فألبسه إياه . قال وهب : فلما قام على الصخرة قال : يا إخوتاه إن لكل ميت وصية ، فاسمعوا وصيتي ، قالوا : وما هي ؟ قال : إذا اجتمعتم كلكم فأنس بعضكم بعضا فاذكروا وحشتي ، وإذا أكلتم فاذكروا جوعي ، وإذا شربتم فاذكروا عطشي ، وإذا رأيتم غريبا فاذكروا غربتي ، وإذا رأيتم شابا فاذكروا شبابي ، فقال له جبريل : يا يوسف كف عن هذا واشتغل بالدعاء ، فإن الدعاء عند الله

--> ( 1 ) في ع : أتوارى به وأستر عورتي .